الفيض الكاشاني
275
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
بدو مقدمنا ، فأداروا أمر الإمامة ، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيّدي عليه السّلام ، فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسّم عليه السّلام ، ثم قال : « يا عبد العزيز ، جهل القوم وخدعوا عن آرائهم ، إنّ اللّه تعالى لم يقبض نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، فقال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمرة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً « 2 » وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى بيّن لأمّته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبيلهم ، وتركهم على قصد سبيل الحق ، وأقام لهم عليا عليه السّلام علما وإماما ، وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمّة إلّا بيّنه ، فمن زعم أنّ اللّه لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه تعالى ، ومن ردّ كتاب اللّه تعالى فهو كافر به . هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ! إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم ، إنّ الإمامة خصّ اللّه بها إبراهيم الخليل عليه السّلام بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره فقال : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً « 3 » فقال الخليل عليه السّلام سرورا بها : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قال اللّه تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ، ثم أكرمه اللّه تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ « 4 » . فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها اللّه تعالى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقال جلّ وعز : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 38 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 3 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 124 . ( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 73 .